الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
196
تفسير روح البيان
أبلغ ما يتصور في النهى عن الظلم والتهديد عليه والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا يرتدعون عن الظلم والميل إلى أهله ولا يتدبرون انهم مؤاخذون غير منصورين : قال السعدي قدس سره كرازى بچاه اندر افتاده بود * كه از هول أو شير نر مانده بود بد انديش مردم بجز بد نديد * بيفتاد وعاجز تر از خود نديد همه شب ز فرياد وزارى نخفت * يكى بر سرش كوفت سنگى وگفت تو هرگز رسيدى بفرياد كس * كه ميخواهى امروز فريادرس كه بر ريش جانت نهد مرهمى * كه دلها ز دردت بنالدهمى تو ما را همى چاه كندى براه * بسر لا جرم در فتادى بچاه اگر بد كنى چشم نيكى مدار * كه هرگز نيارد كژ انگور بار وفي الحديث ( إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم ) وفي تخريب القلب تخريب سائر الجسد فالظالم يظلم على نفسه حيث يخرب أعضاءه الظاهرة والباطنة وعلى اللّه حيث يخرب بنيان اللّه ويغيره ويفسده ولأنه إذا ظلم غيره وآذاه فقد ظلم على اللّه ورسوله وآذاه . والدليل عليه قوله عليه السلام ( انا من اللّه والمؤمنون منى فمن آذى مؤمنا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه تعالى ) ودخل في الركون إلى الظالمين المداهنة والرضى بأقوالهم وأعمالهم ومحبة مصاحبتهم ومعاشرتهم ومد العين إلى زهرتهم الفانية وغبطتهم فيما أوتوا من القطوف الدانية والدعاء لهم بالبقاء وتعظيم ذكرهم وإصلاح دواتهم وقلمهم ودفع القلم أو الكاغذ إلى أيديهم والمشي خلفهم والتزيي بزيهم والتشبه بهم وخياطة ثيابهم وحلق رؤسهم . وقد امتنع بعض السلف عن رد جواب الظلمة في السلام وقد سئل سفيان عن ظالم اشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه فإنه إعانة للظالم وقال غيره يسقى إلى أن يثوب إلى نفسه ثم يعرض عنه وفي الحديث ( العلماء أمناء الرسل على عباد اللّه ما لم يخالطوا السلطان فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم ) فإذا علمت هذا فاعلم أن الواجب عليك ان تعتزل عنهم بحيث لا تراهم ولا يرونك إذ لا سلامة الا فيه وان لا تفتش عن أمورهم ولا تتقرب إلى من هو من حاشيتهم ومتصل بهم من امامهم ومؤذنهم فضلا عن غيرهم من عمالهم وخدمهم ولا تتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وترك مصاحبتهم واذكر كثيرا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه في الدين ثم اتى باب السلطان تملقا اليه وطمعا لما في يديه خاض بقدر خطاه في نار جهنم ) والحديث كأنه مأخوذ من الآية فهما متطابقان معنى كما لا يخفى - وروى - ان اللّه تعالى أوحى إلى يوشع بن نون انى مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال ما بال الأخيار فقال إنهم لم يغضبوا لغضبي فكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وبهذا تبين ان بغض الظلمة والغضب عليهم للّه واجب وانما ظهر الفساد في الرعايا وجميع أقطار الأرض برا وبحرا بفساد الملوك وذلك بفساد العلماء أولا إذ لولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك بل لو اتفق العلماء في كل عصر على الحق ومنع الظلم مجتهدين في ذلك